Featured Post

ازاى تكتب رواية الجزء الثانى

Friday, February 27, 2015

#حفيد_المعز: كتاب يمتعك ويغيظك ثم يمتعك مرة اخرى

#حفيد_المعز: كتاب يمتعك ويغيظك ثم يمتعك مرة اخرى

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم نقد كتاب

تعرفت على الكاتب محمد التهامى اولا عام 2009 من خلال قصته هيروبولس، والتى اخذنا من خلال احداثها فى رحلة تاريخية ممتعة تحكى ما مرت به مدينة السويس منذ ايام الثورة العرابية وحتى يومنا هذا ... ويومها انتقدت، كما هو واضح فى المقال الذى كتبته يومها، سرعة ايقاعه فى سرد الأحداث، والتى لا تعطيك فرصة الدخول فى العالم التاريخى الخيالى البديع الذى رسمه لنا.
بعدها قابلته عام 2010، من خلال صفحات مجموعة "شباب صينى" القصصية، والتى اعجبت جدا باسلوبه السهل الممتنع فى طرح افكار كل قصة، عن طريق سرد مواقف حياتية قد تبدو بسيطة، ولكنه استطاع استخراج العمق المطلوب ايصاله للمتلقى من رموز متناثرة بذكاء فى كل قصة، بحيث تصل فورا لعقولنا وقلوبنا.
وما ان صدر له كتاب حفيد المعز، وعرفت انه يتعرض لجانب من جوانب التاريخ، الملعب المفضل لمحمد التهامى ككاتب ولى شخصيا كقارىء، حتى حرصت على اقتناءه فى اقرب فرصة ممكنة، والتهام صفحاته خلال الايام القليلة من بعدها.
القصة تدور حول امر خطير نجحت فى ابقاءه سراً لاجيال عديدة احدى الأسر المصرية المعاصرة، وهو انها تعتنق "المذهب الإسماعيلى"، المنحدر من المذهب الشيعى، وهو ثانى اكبر المذاهب بعد الإثنى عشرية.
وليت الأمر توقف عند هذا الحد ولكن تلك الأسرة ينحدر نسلها من النبى (صلعم) وابنته فاطمة ... واحد ابناءها هو "الإمام" التاسع والأربعون، الذى قتل والده ووالدته، التى كانت تحمل جنينا وقتها، بطريقة بشعة على يد اعداء "الحسين"، الذين يريدون القضاء على الإمام ونسله حتى تنمحى تلك العقيدة الشيعية تماما من الدنيا وتبقى عقيدتهم وحدها هى المستمرة القائمة.
صراعات عائلية وطائفية عديدة يتعرض لها الإمام الصغير "نادر نور الدين" منذ طفولته، الذى كُتب عليه ان يخفى امر مذهبه ويدعى انه على المذهب السنى السائد فى بلدنا، وذلك باستخدام رخصة "التقية" التى تحلل له الكذب لاخفاء حقيقته، وحتى يكتمل نضجه ونموه باكتساب المعرفة والخبرة اللازمة التى تعينه على تحقيق اهداف وجوده فى الدنيا، والبدء فى الدعوة لمذهبه فى العلن حتى يتحقق المقصد الذى سعى جده الأكبر "المعز لدين الله الفاطمى" لتحقيقه وكذلك كل من جاءوا من بعده.
الصراع يدور فى ايامنا الحالية ... وبالتالى كان لا يمكن ان يخلو من كافة مفردات العصر، والتى خلقت تباينا مشوقا يظهر حين نستعرض كيفية تعامل الإمام، حامل لواء العقيدة والثقافة المنغرسة فى اعماق التاريخ، مع تلك الأمور التى لم يمر اى امام سابق بها او حتى تخيل وجودها.
مفردات نتعايش كلنا بصعوبة معها، رغم تفاهة ما نحمله من اسرار مقارنة بذلك الإمام، فما بالك بالإمام "نادر" الذى عليه ان يتعامل مع فساد السلطة، وغياب الآمان عن المهمشين من بلدنا، وتداخلات الاجندات الخارجية التى تجيد التعامل مع ملف الطائفية، والتى ترى فى الإمام "الصيد الثمين" الذى يجب ان تستغله جيدا لصالحها.
ايضا تأتى التحديات الرومانسية فى طريقه كأحد اهم العقبات التى عليه تخطيها، فهو شاب يدق قلبه بسهولة امام الجمال والأنوثة، ويحتاج للرفيقة الحنونة المتفهمة لطبيعة شخصيته وللحمل الثقيل الملقى علي اكتافه طوال حياته، فلا تكفيه من ترتبط به فقط حتى تقيم نسله وتحمل الإمام الذى سيخلفه من بعد اختفاءه أو مقتله ... فهكذا تنتهى حياة الأئمة على الطريقة الإسماعيلية الشيعية كما يحكى التاريخ لنا.
كل ذلك التباين صاغه محمد التهامى، كإطار عام للقصة، بمنتهى الوعى والدقة والمهارة، فبالتأكيد ياتى استخدام هذا الإمام "البلوجر" للإنترنت، عن طريق مدونة ينشر فيها افكار مذهبه بطريقة عصرية فعالة تحافظ على سرية هويته، لهو امر غير مسبوق ويساعد على زيادة نسبة التشويق والإثارة فى الرواية ...
وكذلك الصراع النفسى الدائر بداخل "فتح الله"، الذى كرس حياته لخدمة الإمام الحالى، فهو الذى يرعاه ويحميه ويعمل على تأهيله وتثقيفة، زاهدا اى مطامع شخصية مشروعة وكأن وجوده فى الحياة فقط لخدمة هذا الإمام المهددة حياته دوما.
لكن "فتح الله" إنسان له متطلبات إنسانية، فهو يعشق أخت الإمام "نور الهدى" ولكنه، بأمر من الإمام والد نادر، تزوج الشقيقة الأخرى "نورهان"، وارسلها للعيش فى قنا حيث الآمان، ثم انتقل معها بعد وفاة الإمام نور الدين وهناك تدرج فى العمل الشريف وغير الشريف، الذى اضطر اليه بسبب ضيق الأحوال.
ايضا تأتى "نور الهدى" القوية المستكينة الرافضة، و"بركات" ضابط الشرطة الرومانسى الفاسد، و"فاطيما" الأمريكية الماسونية المتمردة المحبة المتآمرة والعديد من الشخصيات الأخرى التى تأتى لتضيف للرواية زخما وعمقا ومتعة غير مسبوقة.
ولكن .. واه من كلمة لكن ... وهى هنا لا تجب ما قبلها ولكنها واجبة .. للأسف لم يشبع الكاتب محمد التهامى شهيتنا الأدبية والثقافية كما ينبغى، فهو كان متعجلا فى سرد احداثه ... يجبد رسم شخصياته ولكن لا يترك لها الحرية اللازمة للتعبير عن نفسها، او حتى لتبرير تصرفاتها ..
على سبيل المثال لا الحصر نرى "سين" يشتهى "صاد" فى الرواية، يحاول اغتصابها وهى برقبة الإزازة تفتح بطنه وتمنعه. وبعد سطور قليلة سامحته واحبته وهو احترمها واحبها ... ثم تزوجا .. هكذا مرة واحدة، وكأنك تقرأ رسالة فى بريد الأهرام وليس رواية مطلوب منك ان تندمج فى احداثها وتتفاعل مع شخصياتها.
هذا الامر يثير غيظى كقارىء شخصياً، وخاصة مع محمد التهامى الموهوب والباحث المدقق العاشق للتاريخ، فهو يضع امامى وجبة شهية جدا ولكن يطلب منى ان ابتلع بعض اصنافها بسرعة، وانا اريد ان اتمهل واتذوق واجرب لقمة من هنا ولقمة من هنا.
من حسن حظ الكاتب ان موضوع روايته وشخوصها، بالبعد النفسى والتاريخى لها، يعدلان تلك الكفة ويجعلانى نهما للقراءة للاستزادة من المعرفة التى يطرحها ... ولكن استمراره ككاتب مبدع وومتألق مرهون بالنسبة لى بالتخلص تماما من تلك الآفة، والتى قد تنغص على القارىء متعة المتابعة.
اخيرا اشكر محمد التهامى على تلك التجربة الأدبية التاريخية الممتعة ... واحييه على مجهوده الواضح وحرصه الشديد على فتح ابواب التاريخ المغلقة والمسكوت عنها، حتى نراها ونستخلص الدروس المطلوبة منها.
فادى رمزى
Post a Comment

كتب