Featured Post

ازاى تكتب رواية الجزء الثانى

Wednesday, May 11, 2011

السويس مصنع الرجاله



السويس مصنع الرجاله




8 جنيه.. وساعة ونص .. و 134 كم..هى كل ما يفصل بين القاهرة والسويس، تلك المدينة الباسلة التي انطلقت منها ثورة غيرت وجه وطن، لذلك قررنا ان تنطلق منها رحلتنا بين المدن المختلفة لننقل لكم صورا حية من مناطق ربما لم تطأها قدماك من قبل.. مناطق قد تقضى سنوات عمرك وانت لا تعرف عنها شيئا سوي اسم على خريطة ، لذلك هنا وعلى صفحات وشوشة ومن عدد لاخر سوف نعيد معا اكتشاف مصر لتعيش في وجدانا للأبد حرة ومستقلة ومتميزة بادق تفاصيلها..





في السويس تأججت ثورة 25 يناير، ومنها انطلقت لتجتاح كل المدن المصرية، ثار مواطنوها واقسموا ان يهبوا الحرية لنا جميعا مهما كان الثمن، وكانهم أرادوا أن يحققوا نبوءة ترددت في انحائها لسنوات وتناقلها أبناؤها جيلا بعد جيل. نبوءة تقول بأن هناك عرافا قد أخبر الرئيس السابق محمد حسنى مبارك في بداية حكمه أن حياته سوف تنتهي على ارض السويس، لذلك ظلت المدينة بعيدة عن اهتمامه، ولم يطأ أرضها بقدميه طوال سنوات حكمه الثلاثين..

هكذا اخبرنا الكاتب محمد التهامي احد ابناء المدينة الباسلة التي قدر لها أن تسطر تاريخ مصر وتعيد رسم ملامح أيامها، ولقد تحققت النبوءة بشكل او بآخر، وكانت السويس المدينة التي تحدت نظام بأكمله، بعد أن سقط على أرضها أول شهيد لثورة 25 يناير لتشتعل في شوارعها نار التهمت مراكز الحزب الحاكم فيها وأقسام الشرطة لتنطلق شرارتها إلى كل المدن المصرية لتتحول انتفاضة أهل السويس إلى ثورة شعبية في القاهرة واسكندرية والشرقية وطنطا وقنا والاقصر والعريش ورفح ليسقط نظام مبارك و يرحل زبانيته وتبقى السويس ومصر حره دائما ..



السويس بلد الغريب .. هكذا يطلقون عليها أهلها، ففيها يصبح للغريب دار وأهل ووطن .. تفتح أبوابها دائما لكل من يقرر أن يرسو برحاله فوق أرضها.. فإلى جانب سكانها الأصليون تجد فيها مصريين من كل صنف وعلى كل لون، من اسكندرية إلى أسوان ومن سيوة إلى سيناء .. جاؤها غرباء ففتحت لهم أبوابها واصبحت لهم وطنا صاروا فيه سواسية مهما اختلفت عاداتهم او ثقافتهم او لهجاتهم او حتى دياناتهم .. هم فى النهاية سوايسيه يعيشون في احيائها المختلفة بداية من الاربعين وليس انتهاءا ببور توفيق مرورا بعتاقة والغريب والجناين وفيصل والملاحة.........









لكن يبقى أهم واشهر ما فى السويس الان هو قسم الاربعين .. الذى يقع فى قلب المدينة .. والذى سألنا عنه بمجرد وصولنا إليها .. أمامه توقفنا .. لم اندهش من الدمار والخراب الذى حل به بعد ثورة 25 يناير ، فهو لم يختلف عن غيره من اقسام الشرطه والتى لاقت نفس المصير فى جميع محافظات مصر، وان كان الخراب فيه اشد فقد تم نهب جميع محتوياته ابتداء من اساس مكاتبه واجهزة الكمبيوتر فيه الى اسلاك الانترنت والكهرباء لتبقى جدرانه محطمة ونوافذه مدمرة لون الدخان الاسود يسيطرعلى كل ما تبقى فيه ..

قسم الاربعين ظل لسنوات طويلة قبل ثورة 25 يناير محل خلاف فى ساحات القضاء فهو في الاصل كان ملجأ للايتام تملكه إحدى الجمعيات الخيرية التي افتتحته فى عهد الملك فؤاد الاول الا انه تحول الى قسم شرطه فى عهد الملك فاروق على يد حكومة الوفد، ليصبح قسما من أهم وأشهر أقسام البوليس ليس في السويس وحدها ولكن فى مصر كلها وخصوصاً بعد أن تسللت إسرائيل في 22 اكتوبر عام 1973 بعد انتصار اكتوبر العظيم إلى غرب قناة السويس في منطقة "الدفرسوار" بهدف حصار الجيش الثالث الميداني بالضفة الشرقية للقناة وإحتلال مدينة السويس وتهديد القاهرة بإيعاز من الولايات المتحدة الأمريكية حتى تجد ما تفاوض عليه في اتفاقية وقف القتال، وأسلمت القيادة الأسرائيلية هذه المهمة إلى الجنرال أدان الذي وجه أنذار إلى محافظ السويس بالأستسلام أو تدمير المدينة بالطيران الأسرائيلي، ولكنه وقيادات المقاومة الشعبية فى المدينة مع كل ابنائها قرروا رفض تسليمها واستمرار المقاومة مهما كانت الظروف..لتتعرض المدينة لحصار شديد من القوات الإسرائيلية وقصف مستمر من الطائرات ودخول 200 دبابة وكتيبة من جنود المظلات وكتيبتين من جنود المشاه بعربات مدرعة، وواصلت اسرائيل هجومها على المدينة، وأقتحمت قوة من الجيش الأسرائيلي مبنى القسم وحاصرته بدباباتها ومدرعاتها إلا أن رجال المقاومة تصدوا لها مع عدد من رجال القوات المسلحة في معركة دامية، كانت نتيجتها تدمير جميع دبابات العدو ومدرعاته التي اقتحمت المدينة، وسقوط عدد من رجال المقاومة شهداء..لتنجح المقاومة الشعبية بالتعاون مع عناصر من القوات المسلحة في 28 اكتوبر 1973 فى صد هجمات العدو الإسرائيلي وإفشال خططه من أجل احتلال المدينة الباسلة ..



وكما بقي قسم شرطة الاربعين شاهدا حيا على تصدي شعب السويس للمحتل الاسرائيلي، قرر نفس الشعب ان يظل نفس المكان شاهدا حيا على انتصاره وقهره لنظام حكم عنيد قهرهم طوال 30 عام. حيث رفض ابناء السويس اعادة اعمار القسم (او تحويلة الى ملجأ كما بدأ وخصوصا بعد ان ربح ملاكه القضية من الداخلية قبل اندلاع الثورة بايام قليلة و التي رفضت تسليمه لاصحابه فى تحدى سافر لاحكام القضاء). ليبقى القسم اثرا شعبيا يؤكد انتصار ارادة الشعب، ليتحول مع الايام الى مزار سياحى سياسي لا يمر غريب بارض السويس الا ويسال عنه ليطوف بين غرفة ويترك شهادته على جدرانه او يلتقط صورة تذكارية فى احد اركانه..

...



اهل السويس يتعاطون السياسة بشكل يومي، يتقنون فن الحديث فيها وعنها، يتبادلون الاراء حول اهم قضاياها واكثرها تشابكا وتعقيدا في المقاهي وعلى الطاولات فى المطاعم وامام المحال وحتى فى التاكسي ..

لجماعة الاخوان المسلمين في شوارع السويس قاعدة كبيرة جدا وجمهور واسع كذلك السلفيين واليساريين ايضا.. اما اعضاء الحزب الوطنى وجمهوره فقد انقرضوا تقريبا بعد الثورة.. لذلك تجد فى السويس اكثر من 14 جريدة خاصة باخبارها فقط من اشهرها واهمها واقدمها جريدة الوعي التى تم اصدارها خلال سنوات التهجير ما بين 1967 و1973 والتى اسسهها ورئس تحريرها حسين عشري لتربط اهل السويس بمدينتهم خلال تلك السنوات العجاف .

هناك ايضا جريدة سواسية اليسارية المعارضة وأخبار السويس، وجريدة صوت السويس الناطقة بلسان اعضاء الحزب الوطني وسياساته والتي توقفت عن الصدور بعد نجاح الثورة وحل الحزب وسقوط أهم رموزه.

....



واذا كان جبل عتاقه وكنوزه يمثلان ثروة تضع السويس فى ترتيب متميز بين مدن مصر الناتجة للبترول والمعادن فان قناة السويس تمنحها طبيعة خاصة جدا، حيث تجعلها مدينة ساحلية تجارية من طراز رفيع.. تمر عليها السفن وترسو فيها الحاملات.. ويتميز شاطئها بوجود الحى الافرنجي او بور توفيق الذي كان يسكن فيه موظفو القناة الاجانب الذين شيد لهم المحتل الاجنبي منازل على الطراز الفرنسي وكأنه كان يحاول أن يقيم مستعمرة اوربية فرنسية الطابع على أرض مصرية لكنه لم يكن يعرف أنه سوف يرحل عنها مهما طال الأمد لتعود الأرض الى ابنائها ويعود خيرها لمن يستحقونه .. لتبقى المنازل شاهدا حيا على مستعمر مر من هنا وعاد الى بلاده لا يحمل معه سوى عاره وهزيمته.



اهم ما يلفت الانتباه عند شاطيء القناة فى السويس امرين .. الاول هو بقايا خط برليف الذى لايزال ممتدا على شاطئها الشرقى وكأنه يذكرنا كل يوم بشهداء اكتوبر الذين دفعوا اعمارهم ثمنا لانتصار غالى اعادوا لنا به الارض والحرية والكرامة..

اما الامر الثاني فهو " الغربان " التى تنتشر حول القناة على طولها بشكل دعاني للتساؤل عن سبب وجودها بهذه الكثرة .. فأجابنى احمد خزيم احد ابناء السويس بان هناك اكثر من تفسير لهذه الظاهرة...

الاول بانها تأتى مع السفن التى تعبر القناة وهو تفسير لم يقنعني كثيرا وعلى ما يبدوا انه لم يقنع احمد نفسه الذى بادرنى مسرعا بالتفسير الثاني الذى اعتبره الاقرب الى الحقيقة وهو انه الغراب ظهر في السويس خلال سنوات التهجير التى عانت فيها المدينة مع باقى مدن القناة من الخراب والدمار والموت وهي العناصر الاساسية التى تشكل البيئة المناسبة للغرابان التى ظهرت وتكاثرت على مدي 6 سنوات هجر فيها السوايسية منازلهم لتسكنها بدلا منهم وتستقر فيها رافضة الرحيل حتى بعد عودة المهجرين الى مدنهم ..

الى جانب القناة التى تعتبر ركيزه اساسية يقوم عليها اقتصاد السويس هناك ايضا شركات البترول وشركات التعدين المختلفة وقرية الحجاج لكن وبرغم هذا كله الا ان شبابها يعانون من البطاله بشكل واضح لرفض هذه الشركات توظيف أبناء السويس لحكمه لا يعلمها الا الله واصحاب الشركات!! وهذا ما جعل اغلب شباب السويس يتركونها للعمل فى الغردقة وشرم الشيخ ..

...



للسوايسية علاقة خاصة جدا بالجيش المصري ليس لموقفة البطولى من ثورة 25 يناير فقط ولكن لانه وبالقرب من مدخل المدينة يقع مقر الجيش الثالث الميداني الذى ارتبط بعلاقة تاريخية باهل المدينة الابطال لذلك تجد تمثال الجندي المجهول يحتل اشهر واهم ميادينها الذى يعتبر قلبها النابض بالحياة والذى تمر عليه اثناء ذهابك للمنطقة الكورنيش لتستمتع بمشهد غروب نادر على شاطيء القناة عندما تغيب الشمس خلف جبل عتاقة الرابض بالقرب من المدينة والتى يمنحها جمال من نوع خاص جدا..

...

اذا شعرت بالجوع وانت فى السويس فلا يمكن ان تتناول شيء غير الاسماك .. فهى الاختيار الاول والثانى والثالث على قائمة الطعام في مطاعمها المختلفة .. هناك تجد كل ما تشتهيه الانفس من الماكولات البحرية على كل شكل وطعم ولون وبرغم ان السويس تشترك فى هذه الصفة مع غيرها من المدن الساحلية الا انها تتميز بالصرمباء والوجز والسردية .. وهى الماكولات التى لفتت انتباهى فى قائمة الطعام فى اشهر مطاعمها والتى يمكنك تناولها ايضا على عربات خشبية صغيرة تنتشر فى شوارعها المختلفة وخصوصا فى احيائها الشعبية " تشبه عربات الفول والكبده فى القاهرة " ..

الصرمباء والوجز والسردية عبارة عن كائنات بحرية لم يستطيع أحد العاملين فى المطعم افادتي بحقيقة هويتها، فلاهي اسماك ولا هي اعشاب، لكن كل ما قالوه لى عنها انها كائنات بحرية، لكن وبغض النظر عن محاولاتي الفاشلة في التعرف على هويتها الا انها وعلى ضمانتي ماكولات مميزة جدا لن تعرف حلاوة طعمها الا اذا قررت ان تجربها بنفسك ..

رحلة قامت بها / الهام الجمال

تصوير / ندى ثاقب

كتب